أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

27

نثر الدر في المحاضرات

فرأينا ألا نعجل بإسعاف بادي الرأي في قتلهم ، دون الاستظهار عليهم بمشورتك فيهم ، فارفع إلينا مشورتك فيما استشرناك فيه بعد صحته عندك ، وتقليبك إياه على نظرك . وسلام أهل السلام فليكن علينا وعليك . فأجابه أرسطاطاليس للإسكندر المؤيّد بالنصر على الأعداء المهديّ الظفر بالملوك من أصغر عبيده وأوضع خوله أرسطاطاليس الخنوع بالسجود ، والتذلّل في السلام ، والإذعان بالطاعة . أما بعد : فإنه لا قوة بالنطق - وإن احتشد الناطق فيه ، واجتهد في تثقيف معانيه ، وتأليف حروفه - على الإحاطة بأقلّ ما يناله العذر من بسطة علو الملك ، وسموّ ارتفاعه عن كلّ قول ، وإيتائه على كل وصف ، واغترابه لكل إطناب . وقد تقرر عندي من مقدمات أعلام فضل الملك في مهلة سبقه ، وبروز شأوه ، ويمن نقيبته - منذ أدّت إلى حاسّة بصري صورة شخصه ، واضطرب في حسّ سمعي صوت لفظه ووقع وهمي على تعقّب مخارج رأيه ، أيام كنت أؤدّي إليه من تعليمي إياه - ما أصبحت قاضيا على نفسي بالحاجة إلى تعلّمه منه . ومهما يكن مني إليه في ذلك فإنما هو عقل مردود إلى عقله ، مستنبطة أوائله وتواليه من علمه وحكمته . وقد حكى لي كتاب الملك مخاطبته إياي ومساءلته لي عمّا لا يتخالجني الشكّ في أن لقاح ذلك ونتاجه من عنده صدر ، وعليه كان ورد . وأنا فيما أشير به على الملك - وإن اجتهدت فيه ، واحتشدت له ، وتجاوزت حد الوسع والطاقة مني في استنظافه - كالعدم مع الوجود ، بل كما لا يتجزّى في جنب أعظم الأشياء ، ولكنّي غير ممتنع من أجابه الملك إلى ما سأل على يقيني تعظيم غناه عني وشدّة فاقتي إليه ، وأنا رادّ إلى الملك ما أفدته منه ، ومشير عليه بما أخذته عنه ، فقائل له : إن لكل تربة لا محالة قسما من كل فضيلة ، وإن لفارس قسمتها بما أخذته عنه ، فقائل وإنك إن تقتل أشرافهم تخلّف الوضعاء بأعقابهم ، وترث سفلتهم منازل عليتهم ، ويغلب أدنياؤهم على